وانَ الحيَاة تعجُ بالمكائِد والعجائِب للبشرتسَمُو بالروح للعُلا وأحيانًا تهوِي بها إلى أسفل السافلين
تُزعزع النفس فِي لَحظة وتُنّظِمها فِي اخرى
ذاكَ ما ظننتهُ إلى أن فطِنت
ما الدنيا إلا جمادٌ لا نبضَ فيه ولا حَراك
اِذ ان البشرَ ما اجتمعوا على شيء قط
الا تعسِير عيشِهم واثقَال كواهِلهم
كأن أروَاحهم تواصت على استجلَاب الشقاءِ لأنفسها
فمنذ أن يُدركهم الفَهم، ولِكلِ فعلٍ لهم حسيبٌ يرصدُهُ
اي انَ بنِي اَدم تضيعُ حُريته قبلَ أن يبلُغها حتى
كأنمَا اُخِذت منهُ قبلَ أن توهب له
وقَبلَ أن يعِي يُدنسه النَاس بجهلٍ مُتعَقِل
فتُسَاق بِه حُريته إلى القيود وتنامُ الحريةُ فِي صَدره
ويُثقل قلبهُ بحِملٍ لم يختره ولا تبرأ منه
كأنما اجتمعوا على ترويضِه
وان الحيَاة بريئة مِن هَذا المكرُ الذي مكرنَاه لأنفسنا
ولمّا وثّق بنو آدم على نفوسهم الأغلال
باتوا يسامرون ذكرى الحريّة في طيّات الكتب
وينادونها بين لحنٍ وقصيدة ويترنمون بها في الرقصات والاغَانِي
ويستنبطون حرياتٍ شتّى بعد أن كانت أربعًا
حرية الرأي، وحرية العقيدة، والتحرر من الفاقة ومن الخوف إذ ازدادت شيء فشيء إلى حرية العمل والتعلّم
وحرية الملبسِ، وحرية التظاهر،
وبلغت حتى إلى الهوى والجسد والحُب والجنس
فكم هي الحريات التي يرتجيها المرء بعدُ
وقد صاغ بأيديه أغلالَ نفسهِ وأزمن شقاءَها؟
ولستُ بممتعضة على مَا ذكرتُ فإني اُساند اغلبهُ
لكِن السؤال من قيدنَا وانتزع منَا الحق انتزاعًا لنطلُبه
واِن امسينا واصبحنَا وجدنَا شطحات جدِيدة للحُرية
ومَا الحُرِية فِي كنف أطنَان الحُريات هَذه كُلها
وقد كنتُ اتقلبُ فِي فِراشي ليلةّ الا ان غلبنِي النوم
وحِين استيقظتُ قررتُ انِي منذ الان بتُ حُرة
فلستُ مُترَفة إلى درجة انِي سأتخبطُ يُمنة ويُسرة
أسأل الحُرية في ذاك وتلك والأهم من اسأل؟
ومِن هُنا جاء السؤال
لِما العُزلة؟
والعُزلة قرَار وليس بِفرار، اُفق جدِيد مِنك لم تدرِيه
فبينَ كل هَذه الزِحَام اتساءلتَ يومًا من تَكُون انت؟
ام ضِعتَ فِي لجة الازدِحَام وتبَاين الوجُوه والاصوَات
واجتِماع الأصوَات ضاع صوتكَ بينهم
تتقَاذفك اموَاج الدهرِ دونمَا مُستَقر
فنجاتكَ فِي منفذٍ إلى العُزلة لأمد من الزَمن
فِي خلوة تستبِيح كُنهك
تُعَرِيكَ مما دنَسكَ زمَانُك
دونَ اغلَال البشرِ، فمَا انتَ اسيرٌ لكينُونة احد
وإنَّ البَشرَ على تعقيدِهم،
هم في طِيِّ أرواحِهم بُسطاء،
كأنما خُلقوا على سجيةٍ تخلو من تكلف الآراء.
فإن أنت هجرتَ جماعتك أو فارقتَ أرضك لأمد من الزمن
الِى أرض أُخرى لا تُشبه ما أرضك عليها مِن شيء إلا انهَا تروقك
حيثُ تعتزل فِيها لن يُقَام عليك حدُ الاعرَاف
لن تُؤاخذ على سهوك من عاداتِهم
كأنَّك غريبٌ، تجوب ديارًا لا تَدين لها
ولا تُبالي بِمَكرِ العيون ولمزة الالسن
سائغَ الروح، اَمِن النفس
وقد اعتزلتَ دنيا القوم
إلى دنيا جديدة لا يُقاضيك بها أحد
اظنُ انَ ذاكَ المعنى الجلي للحرية
أرى ان ذاكَ هو المعنى البيّن للحرية
لَكَ أن تتخيّل نفسكَ وقد اعتزلتَ وحدك
في شِقة أو كوخٍ أو دارٍ في قلبِ بَلَدٍ استهواكَ
حيث تنعم ببُعدِك عن الخلق، وتُجالس طُمأنينةَ نفسك
فِي دنيَا خلقتهَا لذَاتك لا يُعكِر صفوهَا احد
متوارٍ عن مد البَصر، أن مشيت في الطرِيق
كأنّك تمشي في تلك الطُرُق النائية لا يتبعك فيها إلا ظلك
ولا تُراقَب بنظرة فضولي ولا همسة متطفّل
وان جاءت فلن تضُر ولن تكبُر
فِي دياجِي الغسق، تتناجى وحدك
فِي ضياء الصُبح انت ندِيمك
مُنعزل عما يُجلجل دنيَاك ويلطخ هواك
فِي لَحظة مِن السكون قدرُها سنة أو اكثَر
لمرة واحِدة فِي العِمر
الدُنيا كلها تكونُ انت
هنا أنت الحُرّ بتمامك
سيّد خطواتك بلا قيود تُحاصِرك
فبينَ جلبة الدُنيا واغلَال البشرِ التي تطول لقدر لا تعلمُه
لِمرة واحِدة قبلَ ان توافِيكَ المنِية
عليكَ باعتزَال البشر، وان تندسَ فِي دُنيَاك
لترى هَذه الدُنيا الجَارية تسيرِ ببطء
لترى ليلة قمراء في حضرة الغيم
فيها من الطمأنينة قدرًا لا يسع فؤادك إلا الاغتباط به
ولها في حضرة النور شعاعٌ يفتق عُرى اليقظة فيك
إذ تمنحك الحرية أسْرها
فتسري في أزقتها، فتدرك غُورها
وكم حُرِمتَ منهَا
الا لأن اُصدِقكَ القول، لا يُحقق هَذا الا بشيء
من اطنَان الحُريات تِلك
عجبًا....
تعليقات
إرسال تعليق